هل ثمّة ما يستطيع عبّاس ونتنياهو الاتّفاق عليه؟

نزولاً عند رغبة بعض الأصدقاء، أقدّم فيما يلي ترجمة المقال الأخير إلى العربيّة:

قبل بداية “المفاوضات المباشرة” بين بنيامين نتنياهو ومحمود عبّاس في واشنطن في الثاني من سبتمبر/أيلول 2010، يطرح سؤال ملحّ نفسه:  حتّى لو أرادا الاتّفاق، هل ثمّة ما يستطيع عبّاس ونتنياهو الاتفاق عليه؟  تفضي مراجعة المواقف المعلنة لكلّ من الرجلين إلى قرب استحالة أيّ اتّفاق بينهما.  وفيما وراء المواقف المعلنة الغير قابلة للمقاربة، فإنّ الحقائق السياسيّة حول الرجلين تضع حدودًا صارمة على قدراتهما على الاتّفاق حول أيّة قضيّة ذات مضمون في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

تعتمد حياة نتنياهو السياسيّة على استمرار إشباعه رغبات العناصر اليمينيّة واليمينيّة المتطرّفة في تآلفه الحاكم الّتي، إذا تحرّك نتنياهو في الاتّجاه “غير الصحيح” قيد أنملة، تستطيع إنهاء قبضته على الحكم خلال بضع ساعات.  عليه، فإنّ نتنياهو لا يستطيع الاتّفاق مع عبّاس، حتّى لو أراد ذلك، فيديه مكبّلتان.

أمّا محمود عباس فقد ذهب مسبقًا إلى ما دون الحدّ الأدني المقبول للشعب الفلسطيني.  حتّى لو أراد أن يعطي أكثر قليلاً، فلا يستطيع، لأنّ ذلك سيعني نهاية سيرته السياسيّة.  كثير من الأحزاب الفلسطينيّة ذات الشأن، بما في ذلك بعض الشخصيّات من حزبه “فتح”، يتحدّون شرعيّته بسبب موافقته على المشاركة في المفاوضات، ناهيك عن الموافقة على تقديم المزيد من التنازلات دون الحدّ الأدنى الذي تمّ تثبيته.  وحتى لو وافق عبّاس على مزيد من التنازلات ـ تحت وطأة الضغوط وإغراء الوعود الأميركيّة والأوروبيّة ومع وفرة الغطاء العربي ـ فإنّ الشعب الفلسطيني سيخرج إلى الشارع رافضًا بإصرار أيّ اتّفاق دون الحدّ الأدنى المعروف.  عليه، فإنّ عبّاس لا يستطيع الاتّفاق مع نتنياهو على أيّ شيء دون الحدّ الأدنى، حتّى لو أراد ذلك، فيديه مكبّلتان.

لنتفحّص الحدّ الأدنى المقبول فلسطينيًّا والمواقف الإسرائيليّة المعلنة حول بعض القضايا ذات الشأن في الصراع، بغرض البحث عن إمكانيّة الخروج باتّفاق من “المفاوضات المباشرة” الّتي ستبدأ في واشنطن في الثاني من سبتمبر/أيلول 2010.

من جهة أولى، فالحدّ الأدنى الفلسطيني قد تمّ تثبيته بعبّاس وله، ومن جهة أخرى، فالمواقف الإسرائيليّة المعلنة قد تمّ تثبيتها بنتنياهو وله، كما يلي:

1.  الحدود:
عبّاس:  خطّ اتّفاقيات الهدنة عام 1949، المشار إليها بأراضي 4 يونيو/حزيران 1967، غزّة والضفّة الغربيّة والقدس الشرقيّة.  ويمكن النظر بحساسيّة وحذر إلى تبادل طفيف لبعض الأراضي الهامشية بحدود ضئيلة.
نتنياهو:  جميع المستوطنات جزء من دولة إسرائيل ويجب ضمّها إليها باتّصال أراضيها.  القوات المسلّحة الإسرائيليّة يجب أن تتحكّم مباشرة في حدود الدولة الفلسطينيّة مع الأردن.  غير ذلك يعني عدم سلامة إسرائيل.

2.  القدس:
عبّاس:  القدس الشرقيّة يجب أن تكون تحت السيادة الفلسطينيّة مع تسهيل وصول جميع الناس إلى المواقع الدينيّة بغير عوائق.  دولة فلسطينيّة بدون القدس عاصمة لها هي غير ذات معنى للشعب الفلسطيني.
نتنياهو:  كلّ القدس ـ شرقيّة وغربيّة ـ هي العاصمة الأبديّة الموحّدة لدولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي حتّى نهاية الزمان.

3.  اللاجئون:
عبّاس:  يجب تطبيق قرار الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة رقم 194.  حقّ العودة يجب أن يُعترف به، أمّا التعويض والتوطين في مكان آخر فيكون بالاختيار الفردي وليس بفرض جماعي.  أيّ ترتيب مغاير سوف يعني استمرار الصراع.
نتنياهو:  إسرائيل لا تتحمّل أيّة مسؤوليّة على الإطلاق في مشكلة اللاجئين، ويمكن توطين اللاجئين في أماكن تواجدهم الحاليّة أو في أيّ مكان آخر على كوكب الأرض ما عدا إسرائيل.  دولة إسرائيل غير معنيّة بهذا الشأن.

4.  المياه:
عبّاس:  يجب وضع ترتيبات لتوزيع المياه باعتماد تساوي نصيب الأفراد.
نتنياهو:  يجب استمرار الترتيبات الجارية حاليًّا لتوزيع المياه ـ بفائض كبير للجانب الإسرائيلي ـ دون تغيير.

5.  الأسرى:
عبّاس:  يجب إطلاق سراح جميع الأسرى من السجون الإسرائيليّة.  استمرار اعتقال أيّ أسير فلسطيني يعني أنّ الصراع لم ينتهي.
نتنياهو:  أيّ شخص تلطّخت يداه بدم إسرائيلي لن يرى الحريّة مرّة أخرى.

6.  الأمن:
عبّاس:  جميع الترتيبات الأمنيّة يجب أن تكون من أجل الأمن المتبادل للدولتين ـ وليس أن تعمل الدولتان من أجل أمن إحداهما.  خلاف ذلك يعني أن تكون الدولة الفلسطينيّة مشغولة بأمن دولة أخرى وليس بأمنها، وذلك يعني استمرار الاحتلال تحت إسم آخر.
نتنياهو:  الأمن الإسرائيلي لا يُسلّم لأيّ أحد غير الإسرائيليّين، ولذلك يجب ضمان التواجد الإسرائيلي المسلّح الدائم في وادي الأردن، وفوق قمم الجبال في جميع أنحاء الضفّة الغربيّة، وفي البحر، وفي الجو، وعلى جميع المعابر الحدوديّة للدولة الفلسطينيّة.  غير ذلك يعني التساهل في أمن إسرائيل.

7.  المستوطنات:
عبّاس:  يجب إعادة جميع المستوطنين إلى داخل إسرائيل أو يستمرّوا ويعيشوا بالتساوي مع غيرهم ويكونوا خاضعين لقانون الدولة الفلسطينيّة وسيادتها.
نتنياهو:  المستوطنات الإسرائيليّة جزء دائم من دولة إسرائيل.  ولن تكون أبدًا تحت أيّة سيادة غير سيادة دولة إسرائيل، ويجب ضمّها باتّصال أراضيها مع دولة إسرائيل.

8.  الاعتراف الفلسطيني بيهوديّة إسرائيل:
عبّاس:  لإسرائيل أن تصف نفسها كما تشاء، أمّا الدولة الفلسطينيّة فليس من شأنها الاعتراف بذلك الوصف.  الدول تعترف ببعضها البعض، لكنّ هذا الاعتراف لا يمتدّ ليطال ما تشاء الدول أن تصف أنفسها به.
نتنياهو:  بدون الاعتراف والقبول الفلسطيني بأنّ دولة إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي لن يكون هناك اتّفاق سلام.

9.  الممر الآمن بين غزّة والضفّة الغربيّة:
عبّاس:  يجب إنشاء ممر آمن بين غزّة والضفّة الغربيّة بدون أيّ تدخّل إسرائيلي من أي نوع.  بغير ذلك لا تكون أراضي الدولة الفلسطينيّة متّصلة.  يجب أن يستطيع جميع الفلسطينيّين أن يتنقّلوا بحريّة من أيّ جزء إلى أيّ جزء آخر في الدولة الفلسطينيّة بدون أيّ إعاقة أو تدخّل خارجي.
نتنياهو:  أيّ شيء على الأرض الإسرائيليّة يجب أن يخضع للسيادة الإسرائيليّة التامّة غير المشروطة وغير المشكّك فيها.  أيّ ممرّ كهذا يجب أن يكون خاضعًا للسيادة والقانون الإسرائيليّين.  خلاف ذلك يعني التهاون بالسيادة والأمن الإسرائيليّين.

10.  السيادة الفلسطينيّة:
عبّاس:  الدولة الفلسطينيّة يجب أن تكون دولة مستقلّة تمامًا حقًّا، وذلك كجميع الدول الأخرى في العالم.  يجب أن تكون سيادة الدولة الفلسطينيّة فوق أراضيها تعادل السيادة الّتي تتمتّع بها دولة إسرائيل فوق أراضيها.
نتنياهو:  الدولة الفلسطينيّة يجب أن تكون منزوعة السلاح، ولا تكون طرفًا في أيّ اتّفاقيّات أمنيّة مع أيّ دولة أخرى بدون الموافقة الإسرائيليّة، كما أن الاعتبارات الأمنيّة الإسرائيليّة يجب أن تُراعى في كلّ أفعال الدولة الفلسطينيّة على المستوى الداخلي وفي علاقاتها الخارجيّة.

مع الأخذ في الاعتبار الحقائق المبيّنةأعلاه، هل بإمكان أحد أن يشير إلى شيءٍ يستطيع عبّاس ونتنياهو أن يتفقا عليه غير التبسّم للكاميرات وهما يتصافحان لإطلاق التمثيليّة التّي يسمّونها “المفاوضات المباشرة”؟  محمود عبّاس ليس لديه متّسع للمناورة، فقد تجاوز إنفاقه حجم رصيده السسياسي.  حسني مبارك وعبد الله بن الحسين، وكذلك جميع القادة العرب في هذا الشأن، قد مدّدوا غطاءهم السياسي إلى أقصى حدوده لحماية عبّاس من الغضب والرفض الفلسطينيّين، وقد وصلوا إلى نقطة لا يستطيعون التحرّك بعدها بدون مواجهة خطر حنق شعوبهم عليهم في جميع أنحاء العالم العربي.

كلّ ذلك يعني ما يلي:  بدون تغيّر جوهري في مواقف كلّ من بنيامين نتنياهو وباراك أوباما أو تغيّر جوهري في اتجاه الرياح السياسيّة في دولة إسرائيل وفي الولايات المتّحدة الأميركيّة ـ والّتي لا يبدو أيّ منها محتملاً في المدى القصير ـ فلن يُنجز اتّفاق في مفاوضات واشنطن أو بُعيدها بقليل.  المستقبل المنظور منظور، ولا يُرى في الأفق اتّفاق.  أمّا المستقبل غير المنظور والبدائل الممكنة لمفاوضات واشنطن، فستحمل تحدّياتها ومصاعبها وفرصها ووعودها، لكنّ ذلك موضوع لنقاش آخر.

منذر زمو
أوتوا ـ كندا
26/08/2010

Hope is the stuff from which life is made!

Advertisements

About Alcanaanite

Monzer Zimmo, a Palestinian-Canadian living and working in Ottawa, Canada. Monzer is an advocate of resolving the Palestinian-Israeli conflict through the peaceful creation of a bi-national-democratic state on all the territory of historic Palestine, where Christians, Jews, Muslims, and others live together as equal citizens; be and feel safe, secure, and at home.
This entry was posted in America, Palestinian State, Palestinian-Israeli negotiations, Right of return, Two-state solution. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s