من “طز” إلى النسيان، يا قلب لا تحزن

بعدما أعلنت جامعة الدول العربيّة ومجموعة الدول الآوروبيّة قلقها من الممارسات القمعيّة لنظام القذّافي في ليبيا خلال الأيام الأولى لانتفاضة الشعب الليبي ضدّ معمّر القذّافي، رفع مؤيّدو النظام الحاكم في ليبيا شعار “طز” وأعلنوا: “طز في جامعة الدول العربيّة، وطز في أوروبا.”  أمّا في سوريا، فلغة النظام أقلّ صلافة، لكنّها تحتوي نفس المعنى، فبعدما أعلنت المجموعة الأوروبيّة قلقها من الممارسات القمعيّة لنظام الأسد في سوريا، تمخّض جبل وليد المعلّم وزير الخارجيّة السوري، فولد فأرًا.  أعلن المعلّم، ويا ليته تعلّم قبل أن يتكلّم، أنّ النظام السوري سوف “ينسى وجود أوروبا على الخارطة”.  فما أشبه اليوم بالبارحة!

هل يعني إعلان المعلّم أنّ النسيان والتجاهل والصلافة صارت منطلقات السياسة الخارجيّة للنظام الحاكم في سوريا كما ارتفع شعار “طز” فصار منطلق السياسة الخارجيّة للنظام الحاكم في ليبيا؟  والأهمّ من ذلك، هل يعني إعلان المعلّم ترسيخ توجّه نظام الأسد نحو اعتماد ذات الأسلوب القمعي الذي اتبعه نظام القذّافي؟  وهل يعني ذلك أنّ نهاية نظام الأسد ستكون كالنهاية المرتقبة لنظام القذّافي؟  وهل سيؤول مصير بشّار والمقرّبين منه إلى نفس المصير المرتقب لمعمّر والمقرّبين منه؟  أسئلة سوف تجيب عنها الأحداث في الأسابيع أو الأشهر القادمة.

بعد وفاة الرئيس الراحل حافظ الأسد عام 2000، اجتمع مجلس الشعب السوري وعدّل دستور الجمهوريّة العربيّة السوريّة في جلسة واحدة، فتمكّن بعدها حزب البعث العربي الاشتراكي من تجاوز العقبات الدستوريّة أمام ترشيح الدكتور بشّار الأسد لتولّي منصب رئيس الجمهوريّة خلفًا لوالده، وما زال الدكتور بشّار الأسد رئيسًا للجمهوريّة العربيّة السوريّة حتى هذا التاريخ.

كان ذلك التعديل الدستوري عام 2000 ممكنًا وسهلاً، وقد تمّ بسلاسة انعدم نظيرها، ولم يحتكم مجلس الشعب في حينها إلى لجان حوار أو مجموعات دراسة أو تحليل مختصّين أو استعراض بدائل.  أمّا اليوم فيخرج علينا مرتزقة النظام الحاكم والخائفون منه بوجوب التأنّي وضرورة الدراسات المتعمّقة، ويشرحون لنا مزايا الحكمة من البحث المستفيض في جميع البدائل وفوائد التروّي وعدم التسرّع في اعتماد أي عمليّة إصلاح أو تغيير، بما في ذلك مسألة تعديل بعض مواد الدستور السوري أو إلغائها، لا سيّما ما تعلّق منها بمنصب رئيس الجمهوريّة أو بمكانة حزب البعث العربي الاشتراكي في نظام الدولة.

هذا التناقض في المواقف الأساسيّة هو المؤشّر الأساس إلى انعدام مصداقيّة النظام الحاكم في سوريا، حيث أنّ الجميع يعرف التعديلات الدستوريّة الرئيسيّة التي يريدها الشعب السوري فورًا، والتي لا تحتاج إلى أيٍّ من لجان الحوار أو الدراسة أو البحث المستفيض.  المسألة بسيطة، حيث أنّ الشعب السوري يريد ما يتمتّع به غيره من شعوب الأرض:  إنهاء احتكار حزب واحد (حزب البعث العربي الاشتراكي) للسلطة، ونقل السيادة للشعب وحده، واعتماد تعدّد الأحزاب وتساويها بديلاً، وإنهاء احتكار مرشّح حزب واحد لمنصب رئيس الجمهوريّة، وإلغاء مهزلة الاستفتاء، واعتماد الانتخابات المباشرة بديلاً، وتحديد فترة تولّي أيّ شخص منصب رئيس الجمهوريّة بفترة رئاسيّة واحدة أو فترتين على الأكثر دون تجديد، وتثبيت قواعد الدولة الديمقراطيّة المدنيّة.  هذه المبادئ المحدّدة يمكن لمجموعة صغيرة من الخبراء الدستوريّين والقانونيّين إنجازها ووضع الصياغة الدستوريّة اللازمة لتحقيقها في بضعة أيّام، ويمكن لمجلس الشعب تعديل الدستور واعتماد هذه الإصلاحات الدستوريّة الجذريّة في جلسة واحدة، تمامًا كما فعل عام 2000.  بعد ذلك ينتقل العمل إلى استئصال الفساد ومساءلة المفسدين ومعاقبتهم، حسب القواعد والإجراءات القانونيّة.  لكنّ تحقيق ذلك يتطلّب توفّر النيّة الصادقة والرغبة الحقيقيّة في الإصلاح لدى الرئيس بشّار الأسد ولدى أقطاب النظام الحاكم في دمشق.

أمّا الحديث عن أنّ الرئيس بشّار الأسد يريد الإصلاح، وأنّه أمر بتشكيل لجان للدراسة، وأنّه دعا إلى لجان حوار تضمّ كافة أطياف الشعب السوري، وأنّه سوف يرعى عمليّة الإصلاح، وأنّه سوف يفعل شيئًا وسوف يمنع شيئًا آخر إلى غير ذلك، فهذا كلّه لن يرضي الشعب السوري، ولن ينهي الأزمة، ولن يعيد المارد السوري إلى قمقم الاستبداد، لا سيّما في ظلّ استمرار القتل والتعذيب والاعتقال والإهانات والتعامل الأمني الشرس مع المناهضين للنظام الحاكم والمطالبين بحقوقهم في حياة أفضل.  لقد خرج السوريّون إلى الشوارع مطالبين بما يعرفون أنّه حقّهم الطبيعي في الحريّة والديمقراطيّة والعيش الكريم، ولن يرجعوا عن مطالبهم.  ليس أمام الرئيس بشّار الأسد ومن حوله إلا حسن الإصغاء وتلبية مطالب الشعب السوري والانتقال السريع من إطلاق الوعود بالإصلاح مستقبلاً إلى تنفيذ خطوات الإصلاح التي يريدها الشعب السوري فورًا، وإلا فعليهم التنحّي جانبًا وترك المسرح السياسي لغيرهم من أبناء الشعب السوري.  وحيث أنّ العلامات الظاهرة أمامنا لا تشير إلى اقتراب حدوث أيٍّ من هذين الاحتمالين، فالاحتمال الثالث يقترب من انتقاله إلى حقيقة حتميّة بزيادة محاولات القمع والقتل والتعذيب والإهانة فتتطوّر الأحداث من سيئٍ إلى أسوأ، وبعدها تنتقل التجربة الليبيّة إلى سوريا.  على الرئيس السوري أن يدرك، قبل فوات الأوان، أنّ السوريّين لن يقبلوا العيش تحت الاستبداد وهم يرون أخوتهم في تونس ومصر (وقريبًا في ليبيا واليمن) يعيشون تجارب الانتقال من العيش تحت حكم الاستبداد إلى التمتّع بالحريّة والديمقراطيّة والعيش الكريم.

ما نتمنّاه هو أن يصحو الرئيس بشّار الأسد من غفوته، وأن يصغي إلى صرخات أبناء الشعب السوري المطالبة بحقوقهم الطبيعيّة والمشروعة، وأن يتذكّر الحقيقة الأزليّة أنّ الحكّام مؤقّتون زائلون وأنّ الشعب خالد، وأن يبدأ قيادة عمليّة الإصلاح والتغيير والتي تشمل خروجه من الحكم خروجًا مشرّفًا قبل أن تتطوّر الأحداث وتلحق به موجة الغضب الشعبي فتلفّه فيما تلف وتلقي به ومن حوله إلى مصير من سبقوه من حكّام لم يستوعبوا ما تعنيه فكرة استحقاق شعوبهم الحريّة والديمقراطيّة والعيش الكريم.

منذر زمّو
أوتوا / كندا
01/07/2011

Hope is the stuff from which life is made!

Advertisements

About Alcanaanite

Monzer Zimmo, a Palestinian-Canadian living and working in Ottawa, Canada. Monzer is an advocate of resolving the Palestinian-Israeli conflict through the peaceful creation of a bi-national-democratic state on all the territory of historic Palestine, where Christians, Jews, Muslims, and others live together as equal citizens; be and feel safe, secure, and at home.
This entry was posted in Arab Awakening. Bookmark the permalink.

3 Responses to من “طز” إلى النسيان، يا قلب لا تحزن

  1. Gihad Shabib says:

    You are absolutely right. The Syrian people will not be contented until article 8 is removed & until free & fair election of the parliament & the president are implemented.

  2. Chris says:

    Monzer,

    The regime should take full responsibilty for the lack of immediacy in their approach to reforms. It seems to me that the longer they wait, the shorter would be the time it would take for the street to decide the outcome.

    Talk about outcome; I am very pessimistic, because I think occupation/partition is on the horizon, to the detriment of both the regime and the people in general.

  3. george madbak says:

    عزيزي منذر ا ذا كانت الطز الليبيه صريحة والطز السوريه مبطنه فان الجواب عليها لابد انك تعرفه جيدا كونك احد ابناء غزة الباسله
    وهوه أنطز
    ولماذا لم تذكر اشهر الطزات العربية وهي طز في مصر ؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s